أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
67
العقد الفريد
وأذن لعرفجة بن سعد - وكان أصيب أنفه يوم الكلاب - باتخاذ أنف من الذهب . وقد جعل اللَّه فيما أحلّ عوضا مما حرّم ، فحرّم الربا وأحل البيع ، وحرم السفاح « 1 » وأحل النكاح ، وحرم الديباج « 2 » وأحل الوشي ، وحرم الخمر وأحل النبيذ غير المسكر ؛ والمسكر منه ما أسكرك . مناقشة ابن قتيبة في قوله في الأشربة قال في كتابه : فإن قال قائل : إن المنكر هي الشربة المسكرة ، اكذبه النظر ؛ لان القدح الأخير إنما أسكر بالأول ، وكذلك اللقمة الأخيرة إنما أشبعت بالأولى . ومن قال السكر حرام ، قال : فإنما ذلك مجاز من القول ، وإنما يريد : ما يكون منه السكر حرام ، وكذلك التخمة حرام . وهذا الشاهد الذي استشهد به في تحريمه قليل ما أسكر كثيره ، وتشبيهه ذلك بالتخمة - شاهد عليه لا شاهد له ؛ لأن الناس مجمعون على أن قليل الطعام الذي تكون منه التخمة ، حلال ؛ وأن التخمة حرام ؛ وكذلك ينبغي ان يكون قليل النبيذ الذي يسكر كثيره حلالا ، وكثيره حراما ، وأن الشربة الأخيرة المسكرة هي المحرّمة . ومثل الأربعة أقداح التي يسكر منها القدح الرابع ، مثل أربعة رجال اجتمعوا على رجل ، فشجّه أحدهم موضحة « 3 » ، ثم شجه الثاني منقلة « 4 » ، ثم شجه الثالث مأمومة « 5 » ، ثم أقبل الرابع فأجهز عليه ؛ فلا نقول إن الأول ، هو قاتله ، ولا الثاني ، ولا الثالث ، وإنما قتله الرابع الذي اجهز عليه وعليه القود « 6 » .
--> ( 1 ) السفاح : الزنا والفجور . ( 2 ) الديباج : ضرب من الثياب سداه ولحمته حرير . ( 3 ) الموضحة : التي توضح عن العظم . ( 4 ) المنقلة : التي تنقل العظم . ( 5 ) المأمومة : التي تبلغ أم الدماغ . ( 6 ) القود : القصاص .